أحدث التدوينات

صورة أرشيفية للمرحوم محمد سعيدات، المعروف بلقب «القنديل»، أحد الوجوه التي بقيت حاضرة في ذاكرة المرارشة، واشتهر برعي الأغنام والعزف على الناي وحبّه لفريق وفاق سطيف.

كلما عدت بذاكرتي إلى قريتنا، عادت معي أصوات ووجوه ومشاهد لا تزال حاضرة في وجداني، رغم مرور السنين وغياب كثير ممن صنعوا تلك الأيام الجميلة.

أستعيد صباحات القرية، حين كانت الوالدة، رحمها الله، تكنس أمام البيت بمكنسة الحلفاء وترشّ التراب بالماء، وحين كانت زقزقة العصافير وخرير مياه السواقي وحركة الفلاحين والرعاة جزءًا من حياتنا اليومية.

وفي هذه الرحلة، أستحضر أخانا محمد سعيدات، رحمه الله، الذي عرفناه بلقب «القنديل»، وكان من الوجوه التي ارتبطت بذكريات المرارشة وأهلها. أتذكر عودته من الرعي، وابتسامته، وحبّه للغناء والعزف على الناي، ثم انتقاله إلى سطيف وتعلّقه بفريق وفاق سطيف.

لكن الحديث عن القنديل يفتح أمامي أبوابًا أخرى من ذاكرة القرية؛ من حانوت عمي الطيب إلى دكّان الإسكافي عمي مسعود، ومن ملعب الطويلة إلى مجالس الشيوخ وأصوات المذياع والأغاني التي كانت ترافق أيامنا.

صورة أرشيفية للمرحوم عبد القادر بن قري، المعروف بلقب «الطهّار»، الذي ارتبط اسمه بذكريات أعراس الختان القديمة في برج الغدير.
 

حين أعود بذاكرتي إلى برج الغدير، لا أستعيد شوارعها وبيوتها ووجوه أهلها فحسب، بل أستعيد أيضًا عادات ومناسبات كانت تجمع العائلات والجيران، وتمنح الحياة اليومية طابعًا لا يشبه ما نعيشه اليوم.

ومن بين تلك المناسبات أعراس الختان، بما ارتبط بها من أفراح وزغاريد وطلقات بارود ورايات خضراء، وما رافقها من خوف الأطفال وألمهم، في زمن لم تكن فيه الخدمات الطبية متاحة كما هي اليوم.

وفي هذه الصفحة من ذاكرة الغدير، أستحضر عبد القادر بن قري، رحمه الله، الذي عرفه الناس بلقب «الطهّار»، وارتبط اسمه بختان أطفال عائلات كثيرة، بل وبقلع الأضراس أيضًا، حين كان الأهالي يلجؤون إلى ما تيسّر لهم من وسائل وأشخاص لتلبية حاجاتهم.

لا أكتب عن هذه الممارسات للدعوة إلى إحيائها، وإنما لتوثيق ما عشته وما بقي في ذاكرتي من تفاصيلها، وللتذكير بأن بعض العادات القديمة، بما حملته من فرح وألم واعتقادات موروثة، تستحق الدراسة والفهم في سياقها الاجتماعي والتاريخي.

إنها دعوة أخرى إلى أبناء برج الغدير، ممن عاشوا تلك الأيام أو يحتفظون بصورها وحكاياتها، للمشاركة في استكمال هذه الذاكرة، حتى ننقل إلى الأجيال القادمة صورة أوسع عن حياة أهل بلدتنا، كما كانت في زمن مضى.

 

صور أرشيفية حقيقية من غيلاسة تضم المجاهد الراحل الشيخ الطاهر تركي، وأخته المجاهدة، وابنيه الشهيدين سعيد ومسعود، ضمن توثيق عائلي لذكريات ثورة التحرير الجزائرية.
ليست كل زيارة إلى مكانٍ ما رحلةً على الأرض؛ فبعض الزيارات تبدأ من الذاكرة، وتعيد إلينا وجوهًا وأسماءً وحكاياتٍ كادت تضيع بين تعاقب الأجيال.

اليوم أحطّ الرّحال في مدينة غيلاسة، في زيارة خاطفة، دون دعوة من أحد، بل بإرادتي، حيث أحلّق بذاكرتي فوق أرض أخوالي وأصهاري، وأخطّ بعض الأحرف عن عائلة حاولت أن أستجمع شتات المعلومات عن مساهماتها في ثورة التحرير، من مصادر مختلفة، وأستذكر من خلال صورها شهداء ومجاهدين سبقونا في التضحية، ثم سبقونا إلى دار الآخرة...

غير أنني، ولحدّ الساعة، ما زلت شارد الذهن، بسبب قلّة اهتمام شرائح واسعة بهذا العمل التوثيقي، فيما تبقى المعلومات مبعثرة وتكاد تضيع، وبعض تفاصيل الحكاية لم تكتمل بعد.

لم أتشرّف بلقاء صهري المجاهد الراحل الشيخ الطاهر تركي، رحمه الله، ولا بابنيه الشهيدين سعيد ومسعود، بينما حظيت بلقاء أخته المجاهدة فريحة، تلك المرأة التي كان يهابها رجال المنطقة قبل نسائها، والتي أتحفتني ببعض النصائح التي ما زلت أذكر بعضها إلى اليوم.

«صورة تاريخية للفدائي الشهيد المسعود خبابة، والد الأستاذ المحامي عبد الله خبابة، بعد تحسين جودتها رقميًا مع المحافظة على الملامح الأصلية.»

بين الذاكرة العائلية والشهادات التي لا تزال تنتظر الجمع، بقيت قصة الفدائي الشهيد المسعود خبابة حاضرة في ذاكرة أسرته. هذه السطور ليست توثيقًا نهائيًا لسيرته، وإنما بداية بحث عن قصة مقاوم انتهت حياته إبان الاحتلال الفرنسي، وبقيت تفاصيلها موزعة بين ذاكرة الأقارب وما قد تكشفه الوثائق.

الفدائي الشهيد المسعود خبابه، والد الأستاذ المحامي عبد الله خبابه... قصة تنتظر من يوثّقها

اعتقلت سلطات الاحتلال الفرنسي الفدائي الشهيد المسعود خبابه، وهو ابن عمة الوالد، رحمهم الله، بعد أن حاصرت منزله في القرية. وتروي الذاكرة العائلية أنه تعرّض لتعذيب شديد عقب اعتقاله، قبل أن يُعدم في قرية رقراقة التابعة لبلدية غيلاسة، رفقة ابن عمه عبد الحفيظ، بدم بارد.

تصور لزاوية الشيخ أحمد بن خبابة القديمة في برج الغدير، حيث كان الطلبة يحفظون القرآن ويدرسون الفقه قرب العين الرقراقة.
قبل أن تتلاشى آثار المكان ويرحل آخر شهوده، تحاول هذه الصفحة استعادة ذاكرة زاوية الشيخ أحمد بن خبابة في منطقة برج الغدير، وما ارتبط بها من تعليم القرآن والفقه، وأسماء المشايخ والطلبة، وصفحات من تاريخ المنطقة ما تزال بحاجة إلى جمع الشهادات والوثائق وتدقيقها.

في هذا المكان، الطاهر طهارة أصحابه، قامت، بحسب ما توارثته الذاكرة المحلية والعائلية، أول زاوية في منطقة برج الغدير، ومنها مرّ عدد من فقهاء المنطقة ومعلّميها.

ومن أبرز من درس فيها الشيخ محمد الطاهر خبابه، الذي انتقل إلى سطيف في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، وأصبح لاحقًا مفتيًا على مستوى الشرق أيام الشيخ عبد الحميد بن باديس. وكانت تربطه علاقات بالشيخ البشير الإبراهيمي وفرحات عباس. وهو والد الشهيد عبد الوهاب خبابه، الذراع الأيمن للشيخ الشهيد العيفة، ووالد المجاهد والمحامي الراحل عبد الحق خبابه. كما تولّى الإمامة في المسجد العتيق إلى غاية تقاعده.

وكانت بداياته العلمية في هذه الزاوية، حيث درس وحفظ القرآن على يد جدّه الشيخ أحمد بن خبابه، أحد فقهاء المنطقة.

ودرس في الزاوية كذلك الشيخ السعيد بالأطرش، الذي أسّس زاوية بعد وفاة المشايخ، وكان ابنه عضوًا في جمعية العلماء ورئيس مكتبها في ولاية برج بوعريريج أيام ابن باديس. كما تخرّج فيها عدد من مشايخ القرية الذين أصبح بعضهم، فيما بعد، معلّمين، وأسهموا بدورهم في تعليم أجيال أخرى اللغة العربية والفقه.

وكان الحاج السعيد طرش، الحفيد، صهرًا للشيخ محمد الطاهر خبابه، في صورة تعكس أيضًا الروابط العائلية والعلمية التي كانت تجمع رجال المنطقة.

وبالقرب من هذا المكان كانت توجد عين رقراقة، يتوضأ منها الطلبة الوافدون لدراسة القرآن والفقه والحديث، وقد استمر تدفق مياهها إلى غاية الثمانينيات.

وكانت الزاوية فضاءً للحفظ والتحصيل، حيث كان الطلبة يتدرجون في حفظ القرآن ودراسة المتون.

ولهذا المكان صفحة أخرى مؤلمة من الذاكرة؛ إذ ترتبط به أيضًا قصة الشهيد المسعود خبابه. وهو شقيق الشيخ الطاهر خبابه، الذي أصبح بعد الاستقلال إمامًا للقرية، وظل في مهمته إلى غاية تقاعده، وكان قبل ذلك كاتبًا للشهيد محمد القيرواني.

وفي المكان نفسه أُلقي القبض على الشهيد المسعود، عندما حاول التسلل من الباب السفلي الذي كان يتجه نحو الوادي، وبجانبه نخلة.

هذه الوقائع، بما تحمله من تفاصيل، تستحق أن تُفرد لها مادة مستقلة بعد استكمال الشهادات وتدقيق المعلومات.

المؤسف اليوم أن آثار هذه الزاوية تكاد تندثر، بل إن معرفة موقعها وتاريخها هي الأخرى تتلاشى من ذاكرة الأجيال الجديدة، ولربما أصبح من يجهلها أكثر ممن يعرفها. ومع اختفاء المكان ورحيل كبار السن، نخشى أن تضيع معه أسماء وصفحات كاملة من تاريخ المنطقة.

وهنا أتذكر مقولة كان والدي، رحمه الله، يرددها محذرًا من ضياع العلم وأهله:

«إذا بقي الحال على ما هو عليه، فسيأتي زمان تطلبون فيه الأجانب ليعقدوا لكم ويصلّوا بكم صلاة الجنازة».


ربما تبدو العبارة قاسية، لكنها كانت تعبّر عن خوف جيل كامل من انقطاع سلسلة التعليم الديني وضياع ما بناه السابقون.

لهذا لا نكتب اليوم حنينًا إلى الماضي فحسب، بل رغبةً في توثيقه قبل أن يختفي آخر شهوده وآثاره. ومن لديه معلومات أو وثائق أو صور، أو يعرف شيئًا عن هذه الزاوية ومشايخها وطلبتها وعينها الرقراقة، فنرجو منه التواصل معنا، حتى نستطيع استكمال هذه الصفحة من تاريخ برج الغدير وتوثيقها بما تستحقه من دقة وأمانة.

نورالدين خبابه


لم تكن كرة القدم في أحياء برج الغدير مجرد لعبة، بل كانت جزءًا من ذاكرة المكان وروح التنافس بين شبابه. ومن الحي «الفوقاني» إلى الحي «اللوطاني»، بقيت أسماء اللاعبين والمباريات ودورات ما بين الأحياء شاهدة على زمن صنع فيه الشباب فرحتهم بإمكانات بسيطة وذكريات لا تزال حية بعد عقود.

ذكريات الحي «الفوقاني» في مواجهة الحي «اللوطاني»...

وتهزّني ذكرى المروءة والندى

بين الشمائل هزّة المشتاق...

حين سألني أحد الشبان، بفضول كبير، عن سر وأصل تسمية فريق حينا لكرة القدم IRF:

I: الاتحاد

R: الرياضي

F: لفاقة (بثلاث نقاط فوق القاف)

اهتزت المشاعر، وجالت الأفكار والخواطر، وتذكرت بيت شاعر النيل الكبير حافظ إبراهيم المدوّن أعلاه، وما حمله سؤال الشاب من ذكريات جميلة لخصال وشمائل أبناء وسكان أحد أول وأقدم أحياء بلدتنا الغدير، حي أول نوفمبر 1954، الذي حمل هذه التسمية غداة الاستقلال، تبركًا بثورة التحرير المجيدة وتضحيات شهدائنا الأبرار.

Author Name

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.